محمد بن زكريا الرازي

10

الطب الملوكي

المسألة ، فكانوا يطوّفون الجامعات والبيمارستانات « 1 » وهم يأنسون لطالب علم يسأل ويستفسر ، فلا يخفونه حاجة ، بسعة صدر وعفّة يد ، ولا يمنعهم من تعليمه اختلاف دين أو عرق ، فتخرّج في حلقاتهم كبراء علماء اليهود والنصارى ، والأبيض والأسود ، والأحمر والأصفر ، يوم كانت لغة القرآن - العربية - هي لغة العلم واللغة العالمية ، حتى نخر الضعف في جسم الأمة الإسلامية ، وتنكّبت عن الصراط السوي وحمل لواء العلم ومتابعة مسيرة الأجداد . ومن المؤسف حقا أن نشاهد كثيرا من كتب الطب لأسلافنا مترجمة إلى لغات عدّة ، بينما لم تحظ بعد بالعناية اللائقة من أبناء اللغة الأم التي سطرت بها ، فبينما كنّا نترجم تراث الأمم إلى لغتنا العربية . . أمسينا نترجم كتبنا من اللغة الأجنبية إلى العربية ، ولا يخفى حجم التشويه الذي يخامرها . ولقد شاع عند الناس اليوم ما يسوّقه الإعلاميون بتسمية طب العرب طب النبات ب ( الطب البديل ) ناسين أو متناسين أنه ( الطب الأصيل ) ، وأن العلماء اليوم يرجعون إلى هذا الطب ولا يستبدلون ، وموضوع كتاب « الطب الملوكي » من أثبت ما يدلّل لهذا ؛ إذ إن الرازي رحمه اللّه تعالى يقول : ( إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية . . فقد وافق السعادة ) . ويقول : ( ومهما قدرت أن تعالج بالأغذية . . فلا تعالج بالأدوية ، ومهما قدرت أن تعالج بدواء مفرد . . فلا تعالج بدواء مركب ) . فأي دستور وحكمة صاغها قلم هذا الفذّ النحرير ؟ ! فليست المسألة مسألة ( طب بديل ) بل هو عودة إلى ( الطب الأصيل )

--> ( 1 ) البيمارستانات : كلمة معربة تعني دار المرضى قديما ، والمستشفى حديثا .